عثمان بن جني ( ابن جني )

275

سر صناعة الإعراب

ولقد يتوجه على هذا عندي قول الشاعر « 1 » : هجوت زبّان ثم جئت معتذرا * من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع « 2 » فكأنه أراد « لم تهج » بحذف الواو للجزم ، ثم أشبع ضمة الجيم ، فنشأت بعدها واو ، ويجوز أيضا أن يكون ممن يقول في الرفع « هو يهجو » فيضم الواو ، ويجريها مجرى الصحيح . فإذا جزم سكّنها ، فتكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من « تهجو » كما أسكن الآخر ياء « يأتي » في موضع الجزم ، فقال « 3 » : ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد « 4 » فكأنه ممن يقول : « هو يأتيك » وسنذكر ذلك في حرف الياء بإذن اللّه تعالى . وقد استعمل أبو تمام - وإن كان محدثا - ما ذكرناه من إشباع الضمة حتى نشأت بعدها واو ، وذلك قوله « 5 » : يقول فيسمع ، ويمشي فيسرع * ويضرب في ذات الإله فيوجع « 6 » فالواو في اللفظ بعد العين في « يسمع » إنما هي إشباع ضمة العين ، وذلك أن البيت لا يقفّى ولا يصرّع في وسط المصراع الأول ، وأما الواو بعد عين « يسرع » فواو

--> ( 1 ) البيت لأبي عمرو بن العلاء يخاطب الفرزدق عندما جاء معتذرا من أجل هجو بلغه عنه . ( 2 ) هجوت : أي شتمه بالشعر ، وهو خلاف المدح . اللسان ( 15 / 353 ) . زبان : اسم أبي عمرو بن العلاء قائل البيت . يقول : لقد هجوتني ثم أتيت تعتذر إليّ فكأنك لم تهجني ولم تترك هجائي . والشاهد مجيء الفعل « تهجو » بالواو مع أنه في محل جزم وهذه الواو ليست واو الفعل وإنما هي إشباع لضمة الجيم . إعراب الشاهد : تهجو : فعل مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف حرف العلة على رأي ، وقد أوضح المؤلف بالمتن الوجه الآخر . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) سبق بيان البيت والشاهد فيه وإعرابه . ( 5 ) البيت من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري . ( 6 ) يقول فيسمع : كناية عن قوة الصوت . ويمشي فيسرع : كناية عن النشاط والقوة . والشاهد شرحه المؤلف بالمتن .